عبد الملك الجويني

104

الشامل في أصول الدين

وأما المجوس ، فالكلام عليهم في قدم النور كالكلام على من سبق ، ثم نعكس مذاهبهم ونطالبهم بالفصل فلا يجدون إليه سبيلا . فنقول : بم تنكرون على من يحكم بقدم الظلام ، ويقدر النور من فكرة حسنة خطرت لبعض أشخاص الظلام ؟ فلا يجدون في ذلك فصلا . ثم يقال لهم : الفكرة أو الشكة التي تولد منها الشيطان ، خير أم شر ؟ فإن قدروه خيرا ، فقيل لهم : فكيف ولد الخير شرا ، ولو جاز ذلك ، لجاز أن يولد النور أيضا شرا من غير تقدير فكرة . وإن زعموا أنها شر قيل لهم : فما الذي ولّدها ولا ظلام قبلها ؟ فلا يجدون عن ذلك محيصا . ثم نقابل بعض مذاهبهم ببعض ، فتتساقط . والكلام عليهم في الخير والشر يستقصي في التعديل والتجوير إن شاء اللّه . فهذه جمل مقنعة في الكلام على تفاصيل مذاهب مخالفي الإسلام ، وإن شذّ منها شيء ، أرشد ما ذكرناه إلى ما لم نذكره . فصل مشتمل على مطاعن أهل الزيغ « 1 » على شيخنا في اللمع والانفصال عنها اعلموا وفقكم اللّه أن أهل البدع والأهواء تولعوا بالفحص والتنقير على اللمع ، ثم طروا باستفراغ كنه الجهد في ذكر المطاعن على فصول الكتاب ، ولم يتعرضوا للمبسوطات من مصنفات شيخنا ، علما منهم بأن المبسوط من كلامه ينطوي على استيعاب جوانب الكلام والتقصي عن الشبه . ولا نغادر لطاعن مضطربا ، ونحن نذكر إن شاء اللّه جملة ما وجهوه من المطاعن على محصول الكتاب ، ونوضح الانفصال منها . فمما وجهوه أن قالوا : أقصى ما ذكره في إثبات حدث العالم : النطفة إذا كانت قابلة للتغير والانقلاب والاعتمال ، ينبغي أن تكون حادثة . فإن القديم لا يتغير ، وما لا يقبل التغييرات لا يخلو عنها . وهذا الذي ذكروه دعوى مجردة مذكورة في صيغة الحجاج . وذلك أن حدث الأجرام يستند إلى إثبات الأعراض ، وهو لم يقم دلالة على إثباتها ، ولم يوضح الدلالة على حدثها ، ولم يسلك في كتابه مسلك الاقتصار على ذكر مجرد المذاهب ، بأن حمل نفسه على التمسك بطريق الحجج ، ثم لم يتممها ، فكان ذلك خروجا عن حد النظر ، وقصورا عن حد الحجاج .

--> ( 1 ) الزيغ : الميل عن الحق .